محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

68

الآداب الشرعية والمنح المرعية

ضمان دين الميت لبقاء حكم الذمة فلا وجه لمطالبة الآخرة ، فقيل له : الذي امتنع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الصلاة عليه كان معسرا لأنه سأل " هل خلف وفاء ؟ " فقيل : لا ، وقد أجل الشرع دين المعسر أجلا حكميا بقوله تعالى : فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [ سورة البقرة : الآية 280 ] . ثم أجله حال الحياة لم يوجب بقاءه بعد الموت حتى شهد الشرع بإرتهانه فقال ابن عقيل : تلك قضية في عين فيحتمل أن يكون عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم علم بأنه كان مماطلا بالدين ثم افتقر بعد المطل بإنفاق المال فحمل الأمر على الأصل الذي عرف منه وقضية الأعيان إذا احتملت وقفت فلا يعدل عن الأصل المستقر لأجلها ، والأصل المستقر هو أن كل حق موسع لا يحصل بتأخيره في زمان السعة والمهلة نوع مأثم بدليل من مات قبل خروج وقت الصلاة لا يأثم ، بخلاف من مات بعد خروج الوقت مع التأخير والإمكان من الأداء ، وللقاضي في الخلاف هذا المعنى فقال فيمن له تأخير الصلاة فمات قبل الفعل : لم يأثم وتسقط بموته قال : لأنها لا تدخلها النيابة فلا فائدة في بقائها في الذمة بخلاف الزكاة والحج ، وعلى أنه لا يمتنع أن لا يأثم ، والحق في الذمة كدين معسر لا يسقط بموته ولا يأثم بالتأخير لدخول النيابة لجواز الإبراء وقضاء الغير عنه ، وقيل له : لو وجبت الزكاة لطولب بها في الآخرة ولحقه المأثم كما لو أمكنه ، فقال هذا لا يمنع من ثبوت الحق في الذمة بدليل الدين المؤجل والمعسر بالدين . وقال أيضا في الفنون : قال شافعي في مسألة الإقرار لوارث يفضي إلى سد باب الخروج عن الدين ، ومحال أن يوجب اللّه تعالى حقا ولا يجعل للمكلف منه ، مخرجا ، قال حنبلي : إذا أقر ورد الحاكم الحنبلي أو الحنفي قوله فقد بذل وسعه في قضاء الدين إذا عجز عن قضائه فيما بينه وبين الغريم ، ومن بلغ جهده فلا تبعة عليه في تعويق الحقوق بدليل المعسر العازم على قضاء دينه متى استطاع إذا مات قبل اليسار فعزمه على القضاء قام العزم في دفع مأثمه مقام القضاء فلا مأثم ، وكذلك من أشهد على نفسه عبدين فلما أقام الغريم الشهادة بعد موت من عليه الحق ردت شهادتهما ، ولا يقال بأنه مأثوم في تعويق الحق إذا كان صاحب الحق رضي شهادتهما ومن عليه الحق لم يعلم أن شهادتهما لا تقبل فكل عذر لك في رد الشهادة وكون الحق لا طريق له إلا ذلك هو جوابنا في هذا الإقرار انتهى كلامه . فظاهره ولو فرط في تأخير الإقرار إلى المرض ولعله ليس بمراد كمعسر قدر على الوفاء في وقت وطولب ، لأنه لا يلزمه الوفاء قبل الطلب في أظهر الوجهين فأخر حتى افتقر ثم ندم وتاب . وقال أبو يعلى الصغير في مسألة حل الدين بالموت : معنى قول ابن عقيل ، وقال أبو بكر الآجري بعد أن ذكر الخبر - إن الشهادة تكفر غير الدين - قال هذا إنما هو فيمن تهاون بقضاء دينه ، وأما من استدان دينا وأنفقه في غير سرف ولا تبذير ثم لم يمكنه قضاؤه فإن اللّه تعالى